من اليوم الذي زرت فيه تركيا لأول مرة في عام 2011، أحببت كل شيء فيها. تاريخها، آثارها، طبيعتها، طعامها وشرابها، وأيضاً لغتها. لذا وعند عودتي إلى بلدي حرصت على تعلّم بعض الكلمات الأساسية في اللغة من باب المعرفة بالشيء.
وبعد زيارتي الثانية في عام 2015، أدركت أن معرفتي لبعض الكلمات التركية فقط كفيلة بتغيير موقف و سلوك بائعٍ أو نادلٍ تركي تجاهي من فظٍّ وعصبيّ إلى متفهّم ومتعاون.
عدت إلى بلدي هذه المرّة وبحوذتي إصرارٌ على معرفة المزيد منها والغوص في بحر اللغة التركية. وبدأت من تطبيق Duolingo الذي اشتهر وقتها بمساعدة الأشخاص على تعلم اللغات الأجنبية. عملت على المراحل كلها داخل التطبيق دون كلل أو ملل، وهذا أكسبني مرادفات كثيرة، وعرّفني بشكل سطحي على تركيبة الجملة والقواعد اللغوية في اللغة التركية.
لم يكفني ذلك، لذا قمت بالبحث عبر Youtube وتجربة الدراسة عبر قنوات عدد من الأساتذة، مما أكسبني معرفة منهجية أكبر عن مواضيع مثل الحروف وتقسيمها، القواعد الصوتية الأساسية في اللغة والتي تدور حولها بقية القواعد، بالإضافة لتركيبة الجملة التي لا تشبه ما تعودنا عليه في لغات أخرى نعرفها.
كل هذا العلم الذي اكتسبته جعل اللغة أقرب إلى قلبي، وجعلني أرغب بالمزيد.
إنه الشهر الحادي عشر من سنة 2016. قررت وزوجي التسجيل وبشكل جدّي في دورة اللغة التركية في معهد يونس أمرة Yunus Emre Enstitüsü في بيروت. هذا المعهد هو جهة رسمية تابعة للدولة التركية، مهمته نشر اللغة والثقافة والعادات التركية حول العالم. له فروع في مدن متعددة منها بيروت في لبنان. وقد كان لنا نصيب زيارة أحد الفروع أيضاً في مدينة بودابست الهنغارية.
مراحل اللغة في هذا المعهد مقسمة كما كل اللغات الأجنبية إلى C1, B2, B1, A2, A1. ولكنهم وبشكل خاص يقسمون كل مرحلة إلى مرحلتين مختلفتين، كلٌّ منها تستغرق ثلاث أشهر، كنا ندرس فيها حوالي الست ساعات اسبوعياً في الصف، وحوالي الثلاث ساعات اسبوعياً في البيت بين مراجعة للدروس وحل للواجبات. ينتهي الفصل بامتحان شامل لتقييم المهارات اللغوية الأربعة وهي: القراءة، الاستماع، الكتابة والمحادثة.
من الأشياء المحفّذة والتي استفدت منها في هذا المعهد هي المِنَح التي كانت تُعطى للمتفوقين، حيث تمكنت من الحصول على ثلاث منحٍ كاملة في ثلاث مراحل متتالية مما شجعني على الاستمرار بالدراسة للنهاية.
وهنا سآتي على ذكر العوامل التي ساعدتني على التفوق علّكم تستفيدون من تجربتي.
العامل الأول كان اطلاعي على أساسيات اللغة من الانترنت، كما ذكرت سابقاً، وذلك قبل البدء بدورة منهجية، الشيء الذي ساعدني على فهم ما يقوله الأستاذ التركي الذي كان يتكلم التركية فقط معظم الوقت.
العامل الثاني كان التزامي بحضور الحصص دون أي انقطاع، وأيضاً التزامي بالدرس في البيت وحلّ الواجبات التي تساعد في فهم المادّة وتطبيقها.
العامل الثالث كان مشاهدتي للمسلسلات التركية المترجمة وليس المدبلجة، وذلك بوجود قلم وورقة دائماً بجانبي لأقوم بكتابة ما يلفت نظري من كلمات وجمل جديدة.
العامل الرابع كان محاولتي إنشاء محادثات مع نفسي في مواضيع مختلفة. حيث كنت اتخيل سيناريوهات مختلفة قد تحصل لي خلال رحلاتي السياحية في تركيا، وأقوم بإنشاء أسئلة وأجوبة قد تصادفني فيها.
العامل الخامس كان إنشاء صداقات مع أشخاص أتراك، بدءاً من معلماتي في المعهد، وصولاً إلى أشخاص تعرفنا عليهم خلال رحلاتنا وأصبحنا أصدقاء مع الوقت. هذه الصداقات أتاحت لي ممارسة اللغة عمليّاً بالإضافة إلى تحسين مهارة الاستماع لديّ.
في العام 2019، عُرض عليَّ استلام نادي اللغة التركية في إحدى المدارس الخاصة في بيروت. ومن هنا بدأت رحلتي مع تعليم اللغة التركية لغير الناطقين بها. فبعد أن تعلّمت من أفضل الأساتذة في المعهد، أصبح الآن دوري بتوصيل هذه اللغة التي أعشق لمن حولي.
رحلتي في تدريس المرحلة التأسيسية من اللغة انتقلت من نادي اللغات، إلى تعليم اللغة بشكل خصوصي للعائلات التي كانت تودّ الهجرة إلى تركيا، وصولاً لتعليم اللغة كأستاذة صف في إحدى مدارس بيروت ذات نظام التعليم المعروف بالبكالوريا الدولية IB.
مع دخول جائحة الكورونا عالمنا في عام 2020، أجبرت مثل كلّ الأساتذة على دخول عالم التعليم الالكتروني، وهذا ورغم صعوبته بادئ الأمر، إلّا أنّه أتاح لي فرصة تعلّم مهارة جديدة، بالإضافة لتكويني منهاج خاصّ بي أدرّسه افتراضياً.
بشكل عام، أستطيع أن أقول أن تعليمي للّغة جعلني أفهمها بعمقٍ وأتمرّس فيها أكثر، ويمكنني وبكل سهولة أن أعتبره العامل السادس الذي يجعلني الآن ألفت نظر الأتراك عندما أتحدث معهم لغتهم، أنا التي أصبحت أعيش بينهم.
تعلّمي اللغة التركية فتح لي أبواب عديدة. منها ما ذكرته سابقاً، ومنها ما لم أذكره. ولكن أهمها أنّه سهّل لي انتقالي وعائلتي للسكن في تركيا، وسهّل اندماجنا مع المجتمع التركي الى حدّ كبير.
نصيحتي لكم في آخر هذا المقال: لا تترددوا بتعلّم شيء جديد دائماً. ربما ما تظنونه اليوم معلومةً لا أهمية لها، ستُكَوّن بعد سنوات جزءاً كبيراً من حياتكم. ولمن يفكرون بالانتقال إلى تركيا، أو انتقلوا بالفعل، وكما أقول دائماً، اللغة التركية مفتاح الحياة هنا فلا تتأخروا بتعلّمها.
أتمنّى أن تكون كلماتي اليوم محفّزاً لكم، وأن تستفيدوا من النصائح التي أدرجتها بين السطور. وأنا بانتظار آرائكم وتجاربكم مع تعلّم اللغات الأجنبية في التعليقات.

